مدير المعهد : نسعى لمد جسور التواصل بين مكونات المجتمع الموريتاني

altتلاميذ في عمر الشباب وريعان الفتوة جاء بهم حب تعلم لغة القرآن والشوق لمعرفة الوحي بلغته التي أنزل بها، تشرق وجوههم بالإيمان وتبدو على قسماتهم مخايل النجابة والتميز..

 

منهم من انطلق لسانه بلغة الضاد وانقدحت قريحته بفرائد البلاغة وحسن التعبير ومنهم من ينتظر في صبر وحرص على العلم.

 

سخرت لهم نخبة من الأساتذة والمربين طاقتها وأوقاتها أملا في انسجام اجتماعي وحرصا على وحدة فئوية شعارها:

أبي الإسلام لا أب لي سواه...إذا افتخروا بقيس أو تميم

 

هناك في معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها وترى كيف يتناسق التنوع الاجتماعي لوحة مفعمة بالحب والأخوة الصادقة.

 

حول جهود هذا المعهد وأهدافه التقت المستقبل الدعوي بمديره العام أحمد سالم بن محمد عبد الله وكان لها معه الحوار التالي

 

س. كيف تشرحون دواعي وجود معهد لتعليم اللغة العربية في دولة تعتبر اللغة العربية لغتها الأولى؟

 

altج. أول أشكر مجلتكم الموقرة على الفرصة التي أتاحت لنا كي نقدم تجربة معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، أما بخصوص سؤالكم فإنه نظرا لكون موريتانيا دولة عربية إفريقية متعددة الفئات والأعراق، وإيمانا بأن اللغة العربية ليست لغة العرب وحدهم وإنما هي لغة الإسلام التي ينبغي لكل مسلم الاعتناء بها تعليما وتعلما إذ بها نزل الوحي وتكلم صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام، كل هذه اعتبارات تبرر بل تجعل من الضروري أن يوجد معهد بل معاهد لتعليم هذه اللغة لغير الناطقين بها، ذلك أن لهم الحق في تعلم الدين والنهل من مصادره الأصلية ولا يتأتى ذلك إلا بتعليم اللغة العربية.

 

س. متى وكيف تأسس معهدكم؟

 

ج.في سنة1994 تم ترخيص معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ونشر العلوم الإسلامية، وهو نتاج تفكير وتداول عميق بين الشيوخ والشباب الغيورين على وحدة هذا الشعب وانسجامه وتراحمه، أرقتهم الأحداث العرقية سنة 1989 التي كادت تفتك بوحدة المجتمع وانسجامه بما تركته من حساسيات اجتماعية ما تزال مخلفاتها ماثلة بشكل قد يهدد لحمة المجتمع وسلمه الأهلي..
وبعد تشخيص الأسباب الاجتماعية لتلك الفتنة بغض النظر عن دوافعها السياسية والعنصرية توصل المتحاورون إلى أن الجهل بالدين – بما يحمل من معاني الأخوة والتراحم ونبذ الفرقة "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله.."، "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"..إضافة إلى الاستهداف الممنهج من فترة الاستعمار ومخلفاته وخصوصا فيما يتعلق بتغيب اللغة العربية ومحولة إبدالها باللغة الأجنبية وترسيمها كلغة بديلة للمجتمع، كل ذلك شكل أرضا خصبة لنشوء الفتنة ونشوبها.

 

altفي خضم هذه الظروف والأحداث، ولدت فكرة إقامة معهد تعليمي يؤسس لعمل استراتيجي يهدف إلى تدعيم البناء الاجتماعي وصهر مكونات المجتمع وفق منهج وتعاليم الإسلام، وجعل اللغة العربية أداة التواصل والتفاهم الأولى لكافة أفراد المجتمع.

 

وهكذا تأسس في الجمهورية الإسلامية الموريتانية معهد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ونشر العلوم الإسلامية بموجب مقرار رقم: ت 206 صادر عن وزارة الثقافة والتوجيه الإسلامي بتاريخ 31 أغسطس 1994م، شعاره الآية الكريمة: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم..}

 

س. ما هي الأهداف التي يروم المعهد تحقيقها؟

 

ج. هناك أهداف عامة يطمح المعهد لتحقيقها، منها تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ويسعى المعهد تحت هذا الهدف لإكساب المستهدفين كفاية القراءة والكتابة والفهم والمحادثة بالغة عربية فصيحة غير مشوبة، ومن أهداف المعهد نشر العلوم الإسلامية قصد التحصين من أفكار الغلو والتطرف، والحماية من دعوات التنصير والتغريب وتعليم الناس  ما تعبد به ربها وتقوم به أخلاقها وفق تعاليم الإسلام.

 

altثم إن المعهد بجهوده هذه يساهم في محو الأمية (الأبجدية والدينية) في أوساط هذه الشريحة المهمة، كما يساهم في إحياء التراث الإسلامي من خلال تمكين المجتمعات من آلية للتواصل مع التراث الإسلامي لأجدادها وهو كثير ومفيد، بحيث إذا نشر وحقق سيكون إضافة مهمة للتراث الإسلامي بهذا البلد خصوصا وللتراث الإسلامي بشكل عام، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن اللغة العربية ليست دخيلة على الأفارقة الزنوج بل كانت لغة التخاطب والكتابة قبل مجيء المستعمر للبلدان الإفريقية.

 

 

 

س. ما هو المجال البشري والجغرافي الذي يعمل فيه معهدكم وكم يبلغ عدد طلابه الآن؟

 

ج.معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ونشر العلوم الإسلامية هو مؤسسة تعليمية أهلية تسعى – بالدرجة الأولى – إلى تعليم اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن وإحدى أهم أدوات الفهم للدين وتقوية وشائج وعرى التواصل بين بين مكونات الأمة الإسلامية جمعاء..وكأي مؤسسة مجتمع مدني تقوم بجهود أعضائها ومنتسبيها المتواضعة وبما تجد من دعم من أهل الخير توسع المعهد بشريا بزيادة عدد طلابه وفصوله الدراسية وجغرافيا بفروعه ومحاظره التابعة له في الولايات الداخلية، وظل ذلك التوسع محكوما بالقدرات المالية والبشرية للمعهد مما قلل من امتداده بشكل أكبر، إلا أنه مع قساوة الظروف المادية وقلة ذات اليد استطاع أن يفتح فروعا في ثلاث ولايات داخلية إضافة إلى العاصمة نواكشوط التي بها المقر المركزي في مقاطعة الميناء، أما الفروع فهي: 

alt- ولاية لبراكنة : وللمعهد بها مركز في بوكي، وفروع في امبان وتولدي ودغفك

- ولاية الترارزة: وللمعهد بها مركز روصو وفرع دار السلام ومحظرة النور والهدى

- ولاية الحوض الغربي: وللمعهد بها محظرة آشوييف التابعة لمركز أطويل الإداري حيث الكثافة السكانية للفلان في المنطقة.

 

أما عن عدد الطلاب فينتظم في المعهد 1473 طالبا خلال السنة الدراسية الحالية (2011 - 2012) ويبلغ طاقمه التربوي 49 أستاذا بالإضافة إلى طاقم عمالي يناهز 20 عاملا.

 

س. ما هي الآليات المتبعة في تسير معهدكم؟ وماذا عن  طاقمه التربوي؟ 

 

altج. المعهد مؤسسة لها نظمها وأهدافها وخططها وبرامجها وهيئاتها (مجلس إدارة يقرر الخطط والبرامج ويراقب ويقيم الأداء، ومكتب تنفيذي ينفذ ويتابع).
أما في الجانب التربوي فإن لدى المعهد طاقم من الأساتذة الأكفاء لديهم خبرة كبيرة في مجال التعليم، وللمعهد منهج دراسي تربوي متميز يضم اللغة العربية والقرآن الكريم والعلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير وغير ذلك من مواد تشكل البرنامج التعليمي للمعهد.

 

س. ما هي مجالات عمل المعهد وهل تعتمدون الأسلوب المحظري أو النظامي؟

 

ج.فيما يخص مجالات عمل المعهد فإننا نتبع منا هج التعليم النظامي، كما يقوم المعهد بجهود دعوية وتربوية موازية تستهدف أطر تلك الفئات ومثقفيها،  وفي ما يلي عرض للمنهجية  المتبعة لدينا:

1. التعليم النظامي: وهي فصول منتظمة وفق منهج تربوي أساسه اللغة العربية والقرآن الكريم والعلوم الشرعية تؤهل الطالب للمشاركة في الباكلوريا الأصلية معدل الطلاب المنتظمين في هذه الفصول سنويا 1000 طالب.

2. دورات تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها: وتستهدف الأطر والمثقفين والطلاب الناطقين بغير اللغة العربية، وتتم ملاءمتها من حيث البرامج والتوقيت مع ظروف المستهدفين، وقد خرجت حتى الآن 1870 مستفيدا..

3. إنشاء ودعم المحاظر: وهي المحاضن التي تعمل على تحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية للطلاب.

4. حلقات التحفيظ: وتعنى بتحفيظ القرآن الكريم للكبار والصغار من ذوي الحالات الخاصة التي لا يستطيع أصحابها الانتظام في الفصول الثابتة والمحاظر التابعة للمعهد.. وقد استفاد منها 1572 فردا حتى الآن..

5. محو الأمية: وتعني فتح أقسام لمحو الأمية الأبجدية عن الكبار بالإضافة إلى تعليمهم أساسيات الدين (الطهارة والصلاة..إلخ) وفق برنامج محدد.. استفاد منها حتى الآن 270 فردا.

6. دورات تكوينية للأئمة والخطباء: وتستهدف تطوير وتكوين أئمة وخطباء من الناطقين بغير اللغة العربية ويستفيد منها سنويا ما يقارب 30 إماما وخطيبا..

7. النفير التعليمي والدعوي: ويعني تنظيم رحلات تعليمية ودعوية يقوم بها أساتذة وأئمة مؤهلون تستهدف القرى التي ينتشر فيها الجهل بأساسيات الدين.. وقد شملت حتى الآن 260 رحلة، استفاد منها أكثر من 30 قرية، ووجد من بين الأهالي من لا يحفظ الفاتحة.

نقلا عن مجلة المستقبل الدعوي - العدد الثاني